في مسجد حارتنا شيخ اسمه الشيخ يعقوب, يدير المسجد العسكري و يؤم بالمصلين و يلقي الخطب العصماء أيام الجمع و الأعياد
ليستنهض الهمم و يعيد احياء أمجاد الرسالة و الخلافة الأولى. يغسل عقول المصلين و أغلبهم من الرجال, أو يحاول, ليوهمهم أن بالامكان طرد شبح التخلف و الفساد عن طريق الحلم بالبعث و الحياة بعد الموت في مزرعة بها بركة و كنبايات و صبايا حسان لم يطمثهن انس و لا جان.
تصلي النساء في المسجد أيضاً خصوصاً أيام الجمع و الأعياد و في ليالي رمضان و لكنهن يصلين في غرفة منفصلة عن مكان صلاة الرجال درءاً للفتن المتولدة بالتأكيد من مجرد مرورهن بخيال الرجال الجامح, و يصلين بالمعية من وراء حجاب يستمعن للخطب أو الدروس الدينية التي تؤكد أن المرأة ان دعاها زوجها للفراش فتمنعت لعنتها الملائكة حتى تصبح و أخرى تؤكد أن للمرأة زوجها في الجنة (و إن لم تكن متزوجة أو كانت مطلقة؟) و أخرى غيرها توصي النساء بأزواجهن خيراً و تقول قرن في بيوتكن ثم لأجل اضفاء الأهمية على العمل المنزلي تستشهد بمقولة نابليون وليام والاس الكافر: اليد التي تهز المهد تهز العالم, أو كما قال.
قسم النساء في المسجد كما سمعت, فأنا لم أؤد أي صلاة في مسجد في حياتي كلها و لم أدخل أي مسجد إلا الأموي في دمشق لغرض السياحة, مليء بالأطفال كما هي بيوتهن. أطفال يركضون و يلعبون و يبكون و يأكلون, فالمرأة يتبعها الأولاد حتى في لحظات العبادة و الرجل يتبعه الشرف و المكانة الاجتماعية و القوامة و نسب الأولاد إليه.
المهم, الشيخ يعقوب يسبب لي وجع الرأس و القرف الشديد. أسمعه كل يوم جمعة من مئذنة المسجد يرغي و يزبد و يتندر بنقص عقول النساء ثم لا أدري كيف و التناقض واضح يحذر الرجال لأن كيدهن عظيم! هذا الرجل يحتكر المايكروفون في المسجد ليتحف الحارة كلها بمن فيها من مسلمين و مسيحيين و لا دينيين بمواعظه الموبوءة. و يبدو لي أن لديه ما يعرف باسم التكنوفوبيا أو الخوف من التكنولوجيا, أشك بأنه لا يملك جهاز حاسوب و ليس لديه بريد الكتروني, لأن أسخن دروسه هي تلك التي يهاجم بها الانترنت, طبعاً بعد النساء.
قبل قليل ضرب الشيخ يعقوب مثلاً لابراز ضياع الأمة “انترنت و كمبيوتر و تلفزيون و مش عارف شو!” مع التشديد على مخارج الحروف و ترقيق الراء بطريقة تشبه التجويد كما يحب الشيوخ أن يفعلوا ليوهموا الناس أن كلامهم يشبه كلام الله من حيث الرنة و الأسلوب. يصرخ الشيخ يعقوب في المايكروفون فأحس أن ذرات لعابه تلتصق بأذني, يقول “الأمة” و “الانحلال” و “الواحد بيصلي في الجامع كل الصلوات و بنته طالعة اخر طرز” و يندد و يتوعد بالنار التي تصلي الوجوه ثم لا ينسى أن يذكر أن من كان له ثلاث بنات فأحسن تربيتهن دخل بهن الجنة, و يعود فيستحضر صور الحور العين ليحث الرجال على مراقبة بناتهن.
لا يذكر الشيخ يعقوب شيئاً عن سيارات المصلين المتراكمة في الشارع أمام المسجد تسده سداً, و لا يذكر شيئاً عن هواتف المصلين ترن في منتصف “الله أكبر” و لا يذكر شيئاً عن المصلين الذين يرمون أعقاب السجائر و المناديل الورقية على الأرض قبل أن تطأ أرجلهم أرض المسجد المقدسة التي تجعلهم من الصالحين.
كان أبي يذكر الشيخ يعقوب دائماً بضرورة أن يتحدث عن مثل هذه المواضيع, فالاسلام بالنسبة لابي هو النظام, كما كل الأشياء الجيدة في الحياة بالنسبة اليه. النظام و الانضباط هما فلك الحياة و لا شيء خارجهما له قيمة فعلية. كان أبي يذكره أيضاً بضرورة أن يكف عن الصراخ لأنه ينفر الناس و يؤذي السمع. و لكن لم يقتنع الشيخ يعقوب بضرورة أن يذكر المصلين بالاداب العامة و ارتأى أن الصراخ في المايكروفون عن مفاتن بنات المصلين و شرور الانترنت أهم, فتوقف أبي عن الذهاب الى مسجد الحارة و أصبح يذهب إلى مسجد قريب يديره شيخ اخر… مسجد مدني شيخه مدني لا يصرخ, و الأهم أن صوته لا يصل إلى سمعي لبعده عن المنزل, لكن في كل الأحوال يظل صوت الشيخ يعقوب يرن في أذني بمناسبة أو بدون مناسبة, لا يذكر النساء إلا بشر و لا يذكر حتى المصليات في مسجده أبداً: يا إخوان سووا الصفوف و سدوا الفرج يهدينا و يهديكم الله. أقم الصلاة! … أغلق نافذة غرفتي لأمنع صوته و ذرات لعابه من ملامسة أذني و أود لو أقول له: تقوم قيامتك يا شيخ.