Ùˆ…جاهة

في الصالة الواسعة يجلس ما يناهز الأربعين أو الخمسين رجلاً يرتدون البدلات السوداء و يضج بحديثهم المكان كأنما هم سرب عظيم من النحل لا تستطيع لحديثهم تأويلاً. في المنتصف تقريباً يجلس الرجال المهمون, أولئك الذين لوجودهم معنى أكبر من وجود كل الرجال الآخرين. هم الممثلون الرئيسيون في هذه الحلقة الاجتماعية.

يرتدي أحد الرجال المهمين بدلة رمادية اللون, يقف و يعطي تعليماته للشباب الصغار الذين يقومون بواجب إكرام الضيوف, تارة يأمرهم بإحضار الماء لهذا و تارة بتشغيل المراوح الموزعة في زوايا الصالة. ثم يجلس و يجامل من حوله من الرجال و يهتم على وجه الخصوص بالرجال الذين لم يرهم قبل في حياته: لا بد أنهم من جماعة العريس.

في لحظة يدب صمت تام على الحضور, يتململون في جلساتهم, يتوقفون عن الكلام و ينظرون بترقب إلى جهة الرجال المهمين, يتوقعون أن تصدر عنهم إشارة ما لبدء الفعاليات. يأتي شاب بالقهوة العربية في بكرج مذهب, يسكبها في فنجان صغير و يقدمها لأحد الرجال الطاعنين في السن يجلس مع المهمين. يأخذه الأخير منه, و بحذر شديد و بحركة مسرحية يضع الفنجان على الطاولة الصغيرة أمامه. يشنف الحضور أذانهم و تتعلق أعينهم بالرجل و كأنه يقبض على أرواحهم. تكاد لا تسمع نفساً في الصالة المكتظة, و يتكلم الرجل.

يقف و يخاطب الحضور بصوت جهوري, يقول لهم ناظراً باتجاه أقرباء العروس بأنه, و رجاله معه, لن يشرب قهوتهم حتى يتحقق له, و لرجاله معه, مطلبهم.
بحركة دراماتيكية مماثلة, يقف رجل كبير السن اخر يسأله ما مطلبه.
يرد الأول بأنهم (بصيغة الجمع) يطلبون الفتاة الفلانية لتصبح زوجة للشاب الفلاني.
“اشربوا قهوتكم, Ùˆ اللي جيتو مشانو ابشروا فيه”

Ùˆ تنتهي المسرحية المحبوكة مسبقاً فيجلس الرجلان كأنما هما ملكان متوجان, Ùˆ يعود الحضور للحديث بحماس غير مسبوق. بذلك يتحقق الهدف وراء هذه الحلقة الاجتماعية, فكما الرب أعطى Ùˆ الرب أخذ, كذلك الرجل يعطي Ùˆ الرجل يأخذ, Ùˆ تبقى المرأة وراء الكواليس تدبر Ùˆ تعالج, ثم نقرأ “إن كيدكن عظيم.”

في القسم الداخلي من المنزل حيث النساء متمركزات في المطبخ يعنين بشؤون إعداد الضيافة للرجال, تسترق بعص الفتيات, و من بينهن العروس, السمع على ما يحصل في الصالة. لسبب ما تشعر الفتيات بالأهمية, و بالأخص العروس, لأن الرجال من عائلتين أو أكثر يتحدثون بموضوعها. تشعر بأن قيمتها تضاعفت لأن رجالاً كباراً في السن, و مهمين, قد أتوا إلى رجال عائلتها يطلبونها للزواج من صديقها الذي عرفته سنة أو أكثر. لا تعرف لم تشعر بالأهمية المضاعفة. أذلك لأن الرجال لا يتحدثون عن النساء بشكل علني كهذا إلا في مناسبات محددة؟ أم أنها تستشعر قوتها كأنثى بأنها استطاعت أن تحشد هذا العدد من الرجال من أجلها؟ هل اجتمعوا من أجلها, أم من أجل أنفسهم؟

على كل حال, هي تشعر بسعادة بالغة مع أن دورها معدوم في هذا الاجتماع الذي تظنه من أجلها. تزهو بين فتيات العائلة لأنها استطاعت أن تحصل على جاهة كبيرة و فيها رجال مهمون جاؤوا خصيصاً لطلب يدها. تستمتع بهذا الشعور لدرجة الغثيان و تتهامس مع الفتيات خلف الأبواب الفاصلة بين العالمين.

في هذه الأثناء, تناديها أمها من المطبخ أن “تعالي, نشفي الفناجين, Ùˆ حتى لو كانت جاهتك, الزلام برّة أهم Ùˆ لازم نقوم بواجبهم.”

و تزغرد النسوة خلف أحاديث الرجال.