شو كمان؟

حقيقة: كما أن ليس كل من استلهم الوحي نبياً, فكذا ليس كل من حمل القلم، كاتباً. وجدت أنبياء كثيرين حتى اختلط علي الأمر فما عدت أعلم أيهم يكلم الله و أيهم يتقول عليه، لكنني، و لحسن حظي، وجدت كاتباً جديداً حقاً: هشام البستاني في مجموعته القصصية عن الحب و الموت.

يحملكِ البستاني على نعته بالكاتب و إن لم يعجبكِ بعض التجريد في قصصه التي تسجل لقطات من الحياة عشتها أو رأيتها. تجلسكِ القصص في السرير, أو على الكنبة, أو في مقهى – أينما اتفق – و تريكِ مشاهد تعرفين أنك تعرفينها, و تعرف أنك تعرفينها, و تعرفين أنها تعرف أنك تعرفينها*, و لكنكِ ترينها بمنظار أعمق, بحسِ أشد, بعفوية فنية جميلة يوظفها البستاني في كل قصة و يبثها رسائل عن الوضع الإنساني الذي ما زلنا جميعاً نحاول فك طلاسمه.

تضج القصص بالاستعارات, بعضها مستترة Ùˆ أخرى قد تبدو فاضحة لأصحاب الأذواق الحساسة, لكنها في كل الأحوال تكشف عن فلسفة راسخة تتلمس الواقع أساساً لها. فعلى سبيل المثال, ترين في قصة عند أعتاب طاغية مرآة لحوار سمعتِه يوماً في ذهنكِ, ربما تكلمين فيه أباكِ،, أو الله، أو رئيسك في العمل. Ùˆ في ذات يوم في جهنم تدركين أنك لست وحدكِ من ترى أن مفهوم العذاب يهين فكرة الذات الإلهية، إن وجدت، Ùˆ تستذكرين الملهاة الإلهية لدانته في لحظة Ùˆ من ثم ملهاة حياتك، Ùˆ يقول الرجل تحيط به ملائكة العذاب: “أنا هو, أنا القاتل، أنا الكافر، أنا الزنديق، أنا الإرهابي، أنا المتآمر، أنا المندس، أنا الخائن، أنا الجاسوس، أنا ال…”

Ùˆ في عبر البرزخ ترين نفسك فعلاً, ترين نفسك مكان الشاب العشريني (مع أنك لست رجلاً, حتى Ùˆ إن لقبك أخوكِ ب “وجيه”) Ùˆ تستمتعين بلذة الانقلاب العمري في القصة مع أنها تزعجك في نفس الوقت, لأنك، يوماً ما، ستتذوقينها Ùˆ لن تكون حلوة Ùˆ لا فنية كما في القصة. Ùˆ تستشفين في يوسف يزور المدينة للمرة الأخيرة سقوط القناع المنمق للحضارة تحت أنظار يوسف إذ يترك الجب على وقع كلمات محمود درويش.

تظهر التوشيحات الدينية و الميثولوجية بوضوح في قصص البستاني, و يتضمن ذلك الإيحاءات المعتمدة على شخوص يسوع و تموز و محمد و إبليس و غيرهم. يعجبك هذا التحوير, لأن هذه الشخصيات مسلية جداً بتمثيلها لرغبات الإنسان و مخاوفه, و لأن الميثولوجيا طالما أمتعتكِ بلا حدود, و علمتكِ الكثير مما لم يستطع غيرها أن يكشفه لكِ.

تثمنين السطور القليلة الأولى المنسقة إلى اليسار في بداية كل قصة (إلى اليسار، لاحظي)ØŒ Ùˆ التي تفعل فيكِ فعلها: توجه عقلك إلى اليمين (Ùˆ لو؟!) أو اليسار Ùˆ تحدد نمطاً عاماً للنص الذي يليها، أو تكون جميلة بحد ذاتها. Ùˆ تحبين بشكل خاص وصايا البستاني بأن تستعيني ببعض المواد الصوتية Ùˆ الأدبية لفهم متعمق للنص: يقتبس زياد الرحباني فترتعشين, Ùˆ يقتبس “ميجاديث” فتتذكرين أيام الجامعة، Ùˆ يذكر عبد الرحمن منيف Ùˆ غسان كنفاني Ùˆ غرامشي فتدركين كم عليك أن تتعلمي بعد.

يبدو لكِ أن هذه القصص تعكس أفكاركِ، Ùˆ كلما أمعنتِ النظر أكثر، Ùˆ شحذتِ تركيزك في ما تقرئين، نبشتِ مخبوءات جديدة تجعل القصص أجمل, تجبرك على التوقف Ùˆ التأمل, Ùˆ ربما الابتسام, تحملكِ على أن تقولي “Ùˆ الله مش قليل يا هشام!”

شو كمان؟

*شبه-تصرف بإحدى العبارات الوارة في قصة حقاً قام؟